بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم ذ. لحسن تالحوت
تعتبر الثقافة أحد أهم العناصر الحضارية، إذ تختزل إن لم نقل تتوازى ومختلف معالم الحضارة في احتواء مظاهر وعلاقات المجتمعات والأمم، وبذلك فدراستها تعتبر أساسية لفهم منطق وفلسفة التحولات التي شهدتها الأمم والشعوب عبر تقاطب وتجاذب التقليدي والجديد أو الداخلي والخارجي، خاصة إذا علمنا أن المخاض الذي تمخضت عنه المشاهد الثقافية يصوغه حدان أساسيان هما الزحف والممانعة، أو ما يعبر عنه ابن خلدون بالغالب والمغلوب وما يروج في العصر الحديث تحت مسمى الاختراق والحصانة[1].
وإذا كانت المشاهد الثقافية تجسيدا ميدانيا للثقافة، وإذا كانت هذه المشاهد بنية من طبيعتها التمايز والتراكب بتباين الأطراف والقوى الثقافية الفاعلة فيها والمشكلة لها، فهذه الورقة في محاولتها لتتبع المشهد الثقافي وتلمس معالمه وأهم الأقطاب والمشاريع الثقافية العاملة فيه، وإن كانت طبيعة الموضوع لا تحتمل ورقة أو بضع وريقات بقدر ما تحتاج إلى دراسات وبحوث متعمقة في هذا الاتجاه،
هذه الورقة ستعمل على الانطلاق من تصور يتبنى المنهج البنيوي في حدوده الدنيا، عبر تفكيك وتحليل البنيات المشكلة للظاهرة موضوع الدرس، بدءا بالسياق العام أو بالأحرى المسرح الثقافي الذي تعيش به وعليه، ممثلا في ما يعرف بثقافة الجماهير أو الثقافة الشعبية "la culture de masse"، ليتم فيما بعد التطرق لمتداولي هذا المسرح كمشاريع ثقافية يمكن اعتبارها من رواد الثقافة النخبوية أو الانتقائية "la culture d’halite"[2].
وقبل التطرق لهذين المرتكزين سيتم العمل على تحديد وتدقيق مفهوم الثقافة، لما يكتسيه من أهمية في مَعْلَمة طبيعة تعامل كل طرف من الأطراف المتفاعلة داخل الحقل الثقافي بالمغرب مع مقومات وسمات هذا المشهد، في استصحاب للأهداف والغايات من الوجود، وذلك حسب التصور المحمول لمفهوم الثقافة لدى كل منها.
I- الثقافة بين الفكري المادي والحضاري :
يعتبر مفهوم الثقافة من المفاهيم التي لم يتم الحسم بعد في تحديد قالب تعريفي محدد لها إذ اتسمت بتعقد مفهومها بين ما هو روحي وما هو مادي. رغم ما استحدث من تخصص بات يدعى "الدراسات الثقافية"[3]، وذلك إما لطبيعة هذا المفهوم المتغيرة في معالم تأشيرها من مجال لآخر أو من بيئة بشرية لأخرى، أو بفعل المحتوى المتمايز عن كل تخصص على حدة، خاصة إذا علمنا أن الدراسات حول الثقافة امتدت عبر تخصصات متعددة أهمها تلك التي تعنى بالإنسان في تقاطعه مع باقي مكونات الكون ( الفلسفة، البيولوجيا، الأنثربولوجيا، التاريخ وعلم الاجتماع…) أو حتى تلك المصنفة ضمن القواميس والمعاجم. وأهم العلوم التي اعتنت بالثقافة حسب ما يلي؛
أ- القواميس والمعاجم :
ونميز فيها بين معاجم عربية وأخرى لاتينية وبفعل تقاطعها عند نفس التعريف اخترنا من بينها؛
منجد الطلاب : الثقافة من ثقف العود أي قومه وسواه، وهي تقويم القوى العقلية على طريقة متوازية، وهي تهذيب الشخصية الإنسانية والسير بها إلى أقصى درجات الكمال الممكن[4].
المعاجم الفرنسية : الثقافة ( culture ) هي العناية بالأرض أي الزراعة والفلاحة، وهي مجموع المظاهر الفكرية للحضارة ومجموع المعارف المكتسبة[5].
ب- العلوم والمعارف :
إذا كانت التعاريف اللغوية تكسب المفهوم طابعا عاما وموحدا يكاد يكون مجمعا عليه، فإن العلوم تعطيه دلالات ومعاني حسب كل حقل معرفي على حدة، وهو ما يتضح من خلال؛
المنظور البيولوجي : يعتبر البيولوجيون وعلى رأسهم إ. موان[6] أن أي نشاط بيولوجي يقوم به الإنسان يدخل في إطار ثقافته ما دام أن ما يميز الإنسان عن باقي الكائنات الحية هو ما كونه لديه من ثقافة ميزته وسمت به فوق ما هو طبيعي ولتميز سلوكاته البيولوجية عن باقي الكائنات الحية فهي بذلك ثقافة مميزة لما هو إنساني فاعتبروا بذلك أن الإنسان كائن بيو-ثقافي.
المنظور الأنثروبولوجي : تجتمع جل التعاريف الأنثروبولوجية على أن الثقافة هي الكل الناظم للحياة الإنسانية بخضوعها لنظام أساسي للقيم والسلوكيات؛ فحسب كاسيرر "الثقافة هي قياس الأشياء"[7] وهو نفس التصور الذي نسجله لدى ليفي ستراوس الذي يرى أن "الطموح الثاني للأنثروبولوجيا هو الكلية وهو يرى في الحياة الإجتماعية، نظاما ترتبط به عضويا كل الجوانب"[8]. كما يقول إدوارد تايلور "الثقافة هي الكل المعقد الناتج عن تجارب التاريخ الإنساني"[9].
منظور فلسفة التاريخ والإجتماع : ويتفق إلى حد كبير مع التعريف الأنثروبولوجي إذ يعتبر الثقافة إطارا عاما يوجه ويهيكل العلاقات الإنسانية داخل الكل (جماعة، قبيلة، شعب، أمة…)، هذا النظام والإطار يرون أنه محدد ومميز لهذا الكل عن ذاك، فحسب عالم الإجتماع روث بينيديكت الثقافة هي "نموذج في الفكر والسلوك الذي يطبع أنشطة شعب ما والمميزة له عن جل الشعوب الأخرى"[10].
كما يعتبرونها مجموع المكتسبات التي راكمها الإنسان منذ ظهوره على وجه الأرض كما يشير إلى ذلك ول ديورانت في حديثه عن رحلة الإنسان من التوحش إلى التحضر[11] أو كما أشار إلى ذلك الماسك بفلسفة التاريخ في العصر الحديث أرنولد توينبي في نظريته "التحدي والإستجابة" معتبرا الثقافة مجموع المكتسبات الفكرية التي حصلها الإنسان في تحديه للمكاره الطبيعية[12].
المنظور الفلسفي : تعتبر الثقافة لدى الفلاسفة رديف الحرية، حرية من حتمية الطبيعة من منطلق الفلسفة التطورية حسب كانط، هردر وهيجل، حرية من الهمجية والعبودية المطلقة للطبيعة حسب كارل ماركس وفريدريك إنجلس واللذان بنيا تصورهما هذا من منطلق "العمل" الذي أبدعه الإنسان فاستطاع به أن يتحرر من سلطة الطبيعة، حرية من الحرب، الخوف والإنعزالية من منطلق طوبوي مثالي حسب هوبس وكارل بوشر الذين رسما عالم إنسان الطبيعة "اللاثقافة" بألوان داكنة تنم عن حياة بلا فنون، آداب، صناعة وأخلاق…
في حين نجد جون جاك روسو، جون لوك وديدرو وبيهن يدافعون عن الطبيعة والعودة إليها حيث حياة السلام، الإرادة الطيبة، التعاون والحماية المتبادلة؛ وحيث لا سبيل لأن تصبح الثقافة تحكما تعسفيا في طاقة الحياة (فرويد) وحرمانا للإنسان من المتعة واللذة باسم قيم عليا (نيتشه) أو تسخيرا للجسم والجنس خدمة لأهداف الحضارة (ماركوز) وحتى لاتكون الثقافة جهازا للحرب وإرادة الإنتقام والنزعة العدوانية والتدميرية )محمد عبد القادر الكردودي، إيريك فروم، ميشيل كورناثون وكونراد لوثر([13].
هذا وتعتبر الثقافة من بين أبرز ما أنتجه الفكر الإنساني طوال مراحل تطور حياته الحضارية إذ هي مجموع الإنتاج الفكري والمادي لأمة ما وبالتالي فالثقافة هنا هي الحصيلة الفكرية بشقيها المادي والذهني، التي يتم استهلاكها من قبل مجتمع ما، ليعمل على إعادة إنتاجها ونشرها.
وقد تعني الرموز الروحية والمعنوية لما هو حضاري من فكر، إيديولوجيا، دين ومعتقد… وبالعكس تعتبر الحضارة المظاهر العملية والمادية لما هو ثقافي هذا الفصل بين الحضاري والثقافي نسجله لدى علماء فلسفة التاريخ والإجتماع اللاتينيون (فرنسا، إسبانيا وإيطاليا…) بخلاف الألمان والإنجليز الذين يعتبرون الحضارة والثقافة شيء واحد لا انفصام بينهما[14].
إلا أن التعريف الذي يعتبر جامعا لمختلف جوانب الثقافة، ومحددا لماهيتها وهي النقط التي اختلف حولها جل الباحثين والمفكرين، هذا التعريف هو الذي قدمه الأنثروبولوجي كلايد كلاكهون "نقصد بالثقافة كل مخططات الحياة التي تكونت على مدى التاريخ، بما في ذلك المخططات الضمنية والصريحة، والعقلية واللاعقلية وغير العقلية. وهي توجد في أي وقت كموجات للسلوك عند الحاجة"[15].
وقد عرفت الثقافة كأي إبداع بشري ووفق النسق الذي تتطور عبره الأشياء من البساطة إلى التعقد، تشعبا وتركبا كبيرين. فبعد أحادية البعد الثقافي المتمثلة في عفويتها ومحدودية أثرها ودورها وإشعاعها الإجتماعي الشعبي المحلي المجرد عن كل ما هو سياسي اقتصادي موجه ومؤدلج، باتت الثقافة من أهم المؤشرات والميكانيزمات التي تؤطر وتوجه العلاقات الدولية فكانت إما حلقة الربط والحوار أو جبهة الصدام والصراع الحضاري، لتسير جل العلاقات الدولية بين الشعوب في مد وجزر بين هذين الحدين؛ فكما يقول محمد عابد الجابري "تكتسي المسألة الثقافية في عالم اليوم وفي مختلف الجهات والأقطار أهمية خاصة… حتى أصبح من الجائز القول أن "المسألة الثقافة" بمعناها الواسع هي اليوم "المحرك" للتاريخ"[16]؛ فحسب صمويل هنتنغتون تشكل الثقافة المنبع الرئيسي للصراع والتنافس حول السلطة والسيادة معتبرا أن زمن القوميات والإيديولوجيات في إدارة الصراعات الدولية وتحريكها قد ولى. أما المستقبل فلا صراع سيدور فيه إلا وشرارته الأولى هي العناصر الثقافية لا الإقتصادية والسياسية (العسكرية) "الدواليب الكلاسيكية للصراع" وبذلك وضع حدودا جغرافية دامية بين حضارات تمثل ثقافات متباينة على جميع الأصعدة[17].
إلا أنه وعلى الطرف الآخر ممن نظروا لمصير ودور الثقافة في هيكلة علاقات المنتظم الدولي، فيرى بزعامة أرنولد توينبي وول ديورانت أن الثقافة إرث إنساني ساهم في خلقه وإغنائه ومن ثم نشر بركاته كما نشر مساوئه جل المجتمعات والحضارات التي يرون أنها حضارة وثقافة واحدة، يشترك في نسج قيمها ومظاهرها جل الشعوب لكن بدرجات متفاوتة زمانيا ومكانيا ونوعيا فكميا، غير أن الأهم هو أنها نتاج بشري مشترك أساسه حوار الحضارات وتلاقح الشعوب.
من خلال التعاريف التي أعطيت لمفهوم الثقافة وعلى تعددها يعتبر التعريف الذي قدمه، الأنثربولوجي "كلايد كلاكهون" جامعا مانعا، إلا أننا في محاولتنا هذه سوف نحاول تشكيل بوتقة عامة للمسألة الثقافية كامنة في اعتبار معالم محددة تيسر الدراسة، وبذلك يمكن اعتبار وحسب ما تتفق عليه معظم التعاريف ثلاث أبعاد أساسية للثقافة وهي بالتدرج، البعد الوجداني، الفكري فالسلوكي، وعليه يمكن تحديد سمات ومعالم المشهد الثقافي الشعبي بالمغرب، على اعتباره النسق العام لباقي "أقطاب التشكيل".
II- سمات المشهد الثقافي الشعبي بالمغرب :
تعتبر الثقافة الشعبية أحد أهم العناصر المكونة للشخصية المجتمعية إن لم نقل جلها، ذلك أنها المؤشر الحقيقي لتصنيف المجتمعات في "السلم الحضاري"، خاصة وأن قنوات التفريغ الثقافي بالمجتمع مجسدة في أبعاد الثقافة السالفة الذكر ( الوجدانية، الفكرية والسلوكية ) وهي نفسها معايير التصنيف تلك، وبذلك يمكن تحديد سمات ثقافة الجماهير بالمغرب عبر كل قناة على حدة.
1- وجدانيا :
فالساحة الشعبية غنية بما يفيد ثقافة الخوف والإمعية وشخصية القطيع على المستوى العام أو الجماعي لتضفي بطابعها على المستوى الفردي بتعميق موجات الخلاص الفردي إلى حد تصل فيه إلى تهشيم الكرامة والحط بها تحت الثرى لحساب المصلحة والمنفعة الذاتية[18]، ولعل أهم ما يمكننا أن نلخص به هذه الحالة ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى "والشيطان يعظكم الفقر"[19] وهو ما دعاه أوسكار لويس "ثقافة الفقر"[20] حيث سيادة نفس عدم القدرة على الامتناع أو حتى افتراض القدرة على الفعل حال توفر الظروف باستئثار الإنسحابية، رغم ذلك يطغى على أهل هذه الثقافة نفس من الجمال، جمال مقنع للتظاهر والتباهي سطحا والمعاناة الحقيقية عمقا "كل التبن ودهن فمك بالسمن وسير كدام الناس مصبن".
2- فكريا :
وهي ثاني السمات الأساسية المشكلة للمسألة القافية بأي مجتمع بل وفرد، فما بعد التقبل الإجتماعي على المستوى النفسي حسب مجموعة من الدارسين في هذا الاتجاه، يأتي البعد الذهني في حركة تلقائية مُستجيبة للبعد المتراكم نفسيا.
وعليه فما ينتج
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |